فخر الدين الرازي
196
المطالب العالية من العلم الإلهي
يحمدنا عليه . كما قال تعالى : فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً « 1 » وقال : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً . فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ « 2 » وقال : وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ « 3 » . والحاصل : إنا نحمد اللّه على الإقدار على الإيمان . واللّه تعالى يشكرنا على فعل الإيمان . وعند هذا قال : « ثمامة » : لا يجوز أن يقال : الحمد للّه على نعمة الإيمان ، ومنع هذا الإجماع . والجواب عن الأول : إن الإيمان غير ، والقدرة على الإيمان غير . فهب أنا نشكره على أن أعطانا القدرة على الإيمان ، لكن كيف نشكره على الإيمان ، مع أنه تعالى ما أعطانا الإيمان ؟ وأما السؤال الثاني فهو باطل . لأن إجماع الأمة على قولهم : الحمد للّه على نعمة الإيمان : معلوم بالتواتر . فكان منكره منكرا للإجماع . والذي يدل على أن هذا الإجماع معلوم بالتواتر : أن المعتزلة ذكروا أن « ثمامة بن الأشرس » إنما منع هذا الإجماع عند « جعفر بن حرب » جوابا عن كلام رجل من أهل السنة ، احتج بهذا الدليل . قالوا : فلما سمع « جعفر بن حرب » هذا الكلام ، قال : لما شنعت هذه المسألة ، سهلت . وهذا يدل على أن « جعفر بن حرب » كان معترفا بأن منع هذا الإجماع : شنيع . وأما الآيات الدالة على كون العبد مشكورا على الطاعات : فهي لا تنافي كون اللّه تعالى مشكورا على تلك الطاعات . لأن الشكر هو التعظيم . وتعظيم العبد للّه ، ليس إلا المدح والثناء . وتعظيم اللّه للعبد ، ليس إلا إيصال الثواب إليه . ولا منافاة بين الأمرين . فثبت : أن كون العبد مشكورا على الطاعات ، لا ينافي كون اللّه مشكورا عليها . واللّه أعلم . الحجة السابعة عشر : قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ .
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، آية : 19 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : 158 . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية : 115 .